تحليل و مناقشة نص اسبينوزا حول الحرية
النص :
 لننتقل إلى الأشياء المخلوقة و المحددة بعلل خارجية، سواء في وجودها أو في فعلها، و لنتصور ببساطة و وضوح المثال التالي: حجر يتدحرج بفعل سبب خارجي، أي بقدر معين من الحركة، ثم بعد ذلك توقفت تلك الحركة، في حين واصل الحجر تدحرجه بالضرورة. إن استمرار الحجر في التحرك هو فعل إكراه، ليس لكونه ضروريا، بل لكونه مدفوعا بعلة خارجية. و ما ينطبق على الحجر ينطبق أيضا على أي شيء آخر، مهما كان التعقيد الذي قد يبدو لكم أنه يتصف به، و مهما تكن الاستعدادات العديدة التي قد يكون حائزا عليها، و ذلك لأن أي شيء كيفما كان لا بد و أنه محدد بعلة خارجية في وجوده و في فعله.
 تصوروا الآن –إن شئتم- أن ذلك الحجر أثناء تدحرجه، قادر على التفكير و يعرف أنه يبذل جهدا مادام مستمرا في حركته. ففي هذه الحالة سيعتقد ذلك الحجر أنه حر و أن لديه إرادة في التحرك، نظرا لأنه لا يعي سوى الجهد الذي يبذله، و لا يغفل عنه. إن هذا المثال ينطبق تماما على الحرية الإنسانية التي يتفاخر الجميع بامتلاكها، و التي تتلخص في كون البشر لديهم وعي بشهواتهم، إلا أنهم يجهلون الأسباب التي تتحكم فيهم. فالطفل الرضيع يعتقد أنه يشتهي الحليب، و الشاب المنفعل يريد أن ينتقم، و إذا كان جبانا يريد أن يهرب.. كذلك الشأن بالنسبة للثرثار و الشخص المصاب بالهذيان و كل من هو على هذه الشاكلة، يعتقد أنه يسلك في فعله وفق قرار حر تمليه عليه نفسه، و ليس لكونه ينساب وراء الإكراه.

الإنشاء الفلسفي {التحليل و المناقشة}

المقدمة
يتميز الإنسان عن كائنات أخرى بوضعه الفريد و وجوده المعقد... فهو كائن مفكر، مريد، فاعل... من جهة، و من جهة ثانية هو كائن يشكل جزءا من الطبيعة و نظامها، و هو من جهة ثالثة كائن يعيش في وسط اجتماعي له شروطه و قوانينه... لذلك فهذا الوضع البشري هو وضع إشكالي يعكس تعدد الأبعاد الإنسانية... و من أبرز القضايا التي أفرزها هذا الوضع البشري نجد قضية الحرية الإنسانية التي تثير مفارقات كثيرة... فالإنسان باعتباره مفكرا مريدا يبدو فاعلا و حرا، لكنه كظاهرة طبيعية يبدو خاضعا لحتمياتها، و باعتباره يعيش ضمن مجتمع يبدو خاضعا لشروطه و قوانينه... و هذا يدفع إلى طرح تساؤلات حول الحرية الإنسانية و حدودها. فهل الإنسان حر أم أنه خاضع لحتمية ما؟ و إذا كان خاضعا فما هي حدود هذا الخضوع؟ و هل هو خاضع بشكل مطلق أم أن خضوعه محدود و نسبي؟
التحليل
من خلال فهم النص، و من خلال البناء المفاهيمي نجد أن المفاهيم الأساسية فيه هي : الإنسان و الحرية و الإكراه، بحيث يحيل مفهوم الإنسان على الشخص باعتباره ذاتا مفكرة واعية، و مفهوم الحرية يشير إلى القدرة على التصرف وفق الإرادة و ما يمليه العقل، أما الإكراه فيتمثل في تلك السلطة التي تجد الذات نفسها خاضعة لها دون إرادة أو اختيار. و يتبين من خلال العلاقة بين المفاهيم أن صاحب النص يدافع عن أطروحة أساسية مفادها أن الإنسان خاضع لإكراه طبيعي و ليس حرا، و معنى ذلك أن الفعل الإنساني ليس نتاج قرارات الذات و إرادتها و اختيارها الحر و إنما هي مجبرة و مكرهة على التصرف وفق إملاءات نظام الطبيعة الذي يعتبر الإنسان جزءا لا يتجزأ منه، باعتباره كائنا بيولوجيا. إن الحرية حسب منطق صاحب النص ليست سوى وهم مصدره الجهل، أي جهل الإنسان بالأسباب التي تكمن وراء أفعاله و تدفعه للقيام بها دون إرادة أو اختيار منه.
و للدفاع عن موقفه انطلق صاحب النص في بداية النص من تقديم مثال حجر يتحرك بفعل قوة خارجية، ليبين أن هذه الحركة عبارة عن إكراه و ليست إرادية. و كان قصده من وراء هذا المثال هو التعميم على جميع الموجودات الأخرى و اعتبارها خاضعة في فعلها لعلل خارجية تدفعها إلى القيام بأفعالها.. و تمهيدا لربط المثال بالحرية الإنسانية أسس لافتراض امتلاك الحجر للوعي عند تحركه، لتأكيد أن الحجر في هذه الحالة سيعتقد أنه يتحرك بمحض إرادته لأنه يعي فقط أنه يتحرك، في حين أنه يجهل السبب أو القوة التي دفعته إلى الحركة. و هذا في اعتقاده ينطبق تماما على الحرية الإنسانية، أي أن الإنسان لديه وعي بما يقوم به من أفعال غير أنه يجهل أسبابها و يجهل عللها الخارجية.. و لتدعيم موقفه بخصوص الحرية الإنسانية يقدم أمثلة من واقع الإنسان ذاته، فالرضيع و الجبان و المنفعل... يعتقدون أنهم سادة أفعالهم و أنهم يتصرفون بمحض إرادتهم، غير أن الأمر حسب صاحب النص ليس كذلك فالرضيع يخضع لعلة خارجة عن إرادته تتمثل في الجوع، أما الجبان فما يدفعه للهرب ليس اختياره و إنما خوفه، و اما المنفعل فوراء فعله غضبه... و بالتالي فهؤلاء جميعا لا يتصرفون من وجهة نظر صاحب النص بناء على إرادتهم و اختيارهم الحر، و إنما من خلال الخضوع لقوى خارجية تتمثل في الضرورات و الحتميات الطبيعية. "فأوامر النفس لا معنى لها خارج الشهوات" حسب هذا المنطق، أي أن أفعال الإنسان لا يمكن فهمها إلا باعتبارها نتاج للغرائز و الضرورات البيولوجية الطبيعية.
هكذا إذن لا وجود لحرية إنسانية لأن الإنسان حسب صاحب النص خاضع لحتميات طبيعية. لكن إذا سلمنا بوجود حتميات طبيعية فهل الخضوع لها يكون مطلقا؟ و إذا كان الإنسان غير حر فهل يخضع فقط للحتميات الطبيعية؟ ألا توجد حتميات من نوع آخر؟ بل ألا يمكن الادعاء على العكس من ذلك أن الإنسان لا يخضع لأية قوة أو ضرورة كيفما كانت؟
المناقشة
إذا كان خضوع الإنسان لحتميات طبيعية يمكن تبريره من خلال اعتبار الإنسان كائنا بيولوجيا، فإن الإنسان، إضافة إلى ذلك، كائن اجتماعي، و هذا معناه أن الإنسان لا يخضع فقط للضرورة الطبيعية بل يخضع أيضا لضرورة اجتماعية تتمثل في الأعراف و العادات و التقاليد و القوانين الاجتماعية التي تكبل الإنسان و تجعل أفعاله عبارة عن واجبات خارجة عن إرادته الحرة، و هذا ما يؤكده قول دوركايم : " حين أؤدي واجبي كأخ أو زوج أو مواطن، و حين أنجز العهود التي أبرمتها، أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف و القانون ... و لست أنا الذي ألزمت نفسي بها ...". إن الإنسان خاضع حسب هذا التصور السوسيولوجي لضرورات اجتماعية تحددها القوانين الاجتماعية و تنتج عن التربية و التنشئة الاجتماعية...
هكذا إذن فالإنسان لا يخضع لضرورة طبيعية فقط كما زعم صاحب النص، بل أيضا لضرورة اجتماعية. إما إذا نظرنا إليه من زاوية أخرى و هي الزاوية النفسية فسنجده خاضعا لحتمية سيكولوجية مرتبطة باللاشعور و بالتفاعلات النفسية التي تحدث على هذا المستوى، يقول فرويد " إن الأنا مضطر لأن يخدم ثلاثة من السادة الأشداء و هم: الهو و الأنا الأعلى والواقع..." بحيث يتضح معه أن الإنسان لا يتصرف بإرادته، غالبا، و إنما يكون تحت سيطرة اللاشعور الذي يملي عليه سلوكه و فعله.
بالنتيجة فالإنسان خاضع لمجموعة من الإكراهات و الحتميات الطبيعية و الاجتماعية و السيكولوجية... لكن ألا يمكن أن يكون الفعل الإنساني فعلا إراديا مهما كانت الظروف؟ ألا يمكن للإنسان أن يتصرف بحرية مطلقة أو شبه مطلقة؟
يقول ج ب سارتر "الإنسان محكوم عليه بالحرية"، و يتضح من خلال هذا القول أن الحرية هي جوهر الوجود البشري، فالإنسان لا يتحدد وجوده بهذا المعنى إلا من حيث هو كائن حر و مريد و قادر على تجاوز الحتميات و الإكراهات مهما كانت. فعندما يتعلق الأمر بالضرورات الطبيعية نجد أن الإنسان يستطيع رفضها و التصرف ضد مشيئتها و هذا ما تجسده حالات الإضراب عن الطعام مثلا، حتى و إن أدى ذلك إلى الموت، بحيث يكون الموت في هذه الحالة اختيارا حرا... و الأمر نفسه بالنسبة للشروط الاجتماعية إذ لولا السلوكات الحرة و الإرادية للأفراد لما تمت إعادة النظر في عدد من التقاليد و الأعراف... فمهما كانت قوة القوانين الاجتماعية فإن الإنسان يبدو قادرا على رفضها متحملا مسؤولية هذا الرفض. و يمكن أن نستحضر في هذا السياق قصة أنتيغون التي رفضت قوانين المجتمع و تصرفت وفق ما يمليه عليها ضميرها فقط مهما كلفها ذلك من ثمن مجسدة بذلك الحرية الإنسانية في صورة ناصعة. لقد علمتنا التجربة الوجودية أن "الجبان هو الذي يصنع من نفسه جبانا و البطل هو الذي يصنع من نفسه بطلا"، و أن الإنسان "مسؤول عما هو" و "يتحمل مسؤولية وجوده الكلية"، و هذا ما يجعل الحتميات كيفما كانت بدون معنى ما دام الإنسان هو الفاعل و هو المريد، و ما دام يملك إمكانيات متعددة للاختيار و الانفتاح على الآتي و تجاوز الوضع الذي يوجد عليه.
الخاتمة
في نهاية المطاف يمكن القول أن موضوع الحرية يظل موضوعا إشكاليا، لأنه يرتبط بتكوين الإنسان ككائن مفكر مريد، من جهة، و من جهة ثانية ككائن بيولوجي طبيعي و من جهة ثالثة ككائن اجتماعي.... فهذا التعدد الذي يطبع الوجود البشري يجعله مقيدا و مكبلا بقوانين معينة، غير أنه ما دام يمتلك الفكر و الإرادة فهو يستطيع إلى حد كبير أن يتخلص من سيادة القوانين عليه و يستطيع من خلال الوعي بها أن يتحرر من سلطتها، و أن يكون متحملا لمسؤولية أفعاله مهما كانت الحتميات عندما يريد و يقرر و يختار.



تحت تصنيف : الفروض المحروسة

التعليقات

إضافة تعليق