ما الانسان؟؟

23 سبتمبر 2012 falsafti

ما الانسان؟؟
رهان مجزوءة الإنسان ومجزوءة الفاعلية والإبداع، هو التفكير في بعدين مُميزين لحقيقة الإنسان
أ- البعد الذاتي والإجتماعي المتعلق بسؤال الهوية: ما الإنسان؟ باعتباره كائنا طبيعيا وكائنا مُنتجا للثقافة. ولكنه أيضا كائن المفارقات: الوعي/ اللاوعي، الجسد/العقل، الحقيقة/الوهم......
ب- يترتب على هويته السابقة( "أنا" واع (ممتلك للعقل)، وكائن اجتماعي( مدني أو سياسي)) القدرة على الفعل في الوجود، من خلال تغييره للطبيعة الخارجية وإبداع أشكال جديدة من الوجود بواسطة الممارسة.
مجزوءة الإنسان ـــــــــــــــــ سؤال الهوية: ما هذا الذي بواسطته يتحدد الإنسان ويكون به على ما هو عليه؟
مجزوءة الفاعلية والإبداع ـــــــــ سؤال الوجود ( في تعالقه مع سؤال الهوية): معرفتي لباطن ذاتي ( التأمل والتفكير) لا يكتمل إلا بفعل الذات في تحويلها العالم الخارجي لتؤكد وجودها (وانوجادها)كذات فاعلة ( تأسيس كيفية للوجود تحقيقا للذات من خلال: العلم والتقنية/ والشغل/ والفن ...إلخ

ملحوظة: يجب التمييز بين الهوية والماهية، وبين الماهية والوجود،وكيف تتعالق الهوية مع الوجود من حيث الأسبقية
( الماهية،في السؤال: ما الإنسان؟ معناه بحسب الذات ما هي حقيقة الإنسان، ومطلب ماهو مقابل لمطلب هل هو، الأول يُراد به الماهية، والثاني يراد به الوجود( ابن سينا. النجاة)...وقد ميز الفلاسفة بين ماهية الأنواع وماهيات الأفراد.والماهية تُطلق في الغالب على الأمر المتعقّل مع قطع النظر عن الوجود الخارجي..فمن حيث هو مقول في جواب ما؟أو ما هو؟ يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار يسمى هوية( جميل صليبا) :" هوية الشيء، وعينيته، وتشخّصه، وخصوصيته، ووجوده المنفرد له، كل واحد..الذي لا يقع فيه اشتراك( الفارابي.التعليقات)..الهوية ما به الشيء هو هو باعتبار تحققه يسمى ذاتا وحقيقة،وباعتبار تشخصه يسمىهوية، وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية(جميل صليبا.المعجم الفلسفي)
أما الوجود: معناه كون الشيء حاصلا في التجربة، أما حصوله فعليا فيكون موضوع إدراك حسي أو وجداني، وأما حصولا تصوريا فيكون موضوع استدلال عقلي. الوجود هو الحقيقة الواقعية الدائمة، أو الحقيقة التي نعيش فيها.
استنتاج: نروم من المفهمة أعلاه، تحديد السياق الإشكالي والمعرفي للمجزوءتين : الإنسان والفاعلية.قد تتعلق الأولى بسؤال الهوية: من أنا باعتباري شخصا له هوية خاصة به ،وماهية يتميز بها كنوع(الإنسان)؟ وتتعلق الثانية بتحقق الشخص في الواقع والتجربة، لأن من هويته وما هيته في نفس الوقت، الفعل القصدي للذات في العالم الخارجي تحقيقا لوجود الموجود في الوجود( من خلال التقنية والعلم والشغل والفن)
إذن لا يجب تسطيح المجزوءتين وتبسيطهما، وإنما جعلهما فضاء للتفلسف.ودفع التلميذ إلى الربط بين التفكير الذاتي والممارسة في العالم الخارجي.( إشكالية الوعي والواقع)
تقديم وتذكير: ( تقديم مجموعة عناصر لبناء المجزوءتين ، قابلة لإعادة الترتيب والتوظيف)

1-المشكل المطروح للتفكير مُتعلق بالسؤال : ما الإنسان؟ إنه سؤال الهوية، أي ما هذا "الثابت"؟ الذي به يتحقق وجود الإنسان( الوعي) ، لكن من حيث أن انوجاده رهين بشروط بواسطتها يتميز في انوجاده عن باقي الكائنات الطبيعية( الجمادات، النباتات، الحيوان) أي الفعل القصدي...نحن إذن بصدد سؤال الماهية في تعالقه مع سؤال الوجود.
2- ما الإنسان؟ سؤال إشكالي( أي قضية خلافية بين الفلاسفة من حيث اختلاف مرجعية منظورهم لما يؤسس لحقيقة الشخص وشروط انوجاده كموجود) بمعنى ما هذا الذي ما به يكون الإنسان هو هو، والذي يُشكّل وحدة الشخصية المتطابقة مع ذاتها في الزمان.مثل قولنا إن ماهية الماء ( H2O ) تتطايف مع حقيقة الماء كما هو بالفعل.لكن بالنسبة للإنسان يجب التمييز بين ما نعتقد أنه هويتنا وبين ما نحن عليه بالفعل. بمعنى هل يتطابق منظوري لماهية ذاتي مع ذاتي كما هي بالفعل.( استحضار المدافعين عن وجود هوية، والرافضين لوجود هوية بالمعنى الميتافيزيقي، والذين يبحثون عن ما يؤسس لحقيقة الإنسان في مصدر لا إنساني مُفارق على الإنسان، وبين من يبخثون عن حقيقة الأنسان فيما هو إنساني: في فعله وتاريخه الواقعي.).مثال على الإشكال بسبب اختلاف المنظور:
يقول كانط: " يمتلك الإنسان القدرة على النطق ب" أنا " يتجلى ذلك في تمثلاته، وهذه القدرة تسمو به غاية السمو فوق جميع الكائنات الحية الأخرى الموجودة على الأرض، فتجعله بذلك شخصا. ويظل الشخص هو ذاته رغم كل التغيرات التي بإمكانها أن تسمه وذلك بفضل وحدة وعيه، أي يظل كائنا مختلفا تمام الاختلاف من حيث الرتبة والكرامة عن الأشياء الأخرى الموجودة، كالحيوانات التي لا عقل لها والتي يمكن التصرف فيها كما نشاء. فالإنسان شخص رغم أنه لم يقدر بعد على النطق ب" أنا " ومع ذلك فإنها ماثلة في فكرهقبل نطقها .(الأنتروبولوجية من وجهة نظر نفعية)
3- إذن هل للإنسان أصل قبلي وثابت هو ماهيته والتي يتمظهر بها كحقيقة منظُورة للعيان(العقل أو النفس)أم وجوده هو مُمكن مفتوح على المجهول ضمن صيرورة تتطور في الزمان؟ بمعنى آخر هل الإنسان حقيقة مُعطاة ومن ثمة ثابتة ترقى إلى مستوى الجوهر من حيث أنه واقع دائم حامل لصفات هي أعراضه المتغيرة أم الإنسان مجرد إمكانية للوجود فابلة للتطور والزوال ضمن صيرورة بيولوجية وتاريخية ما تفتأ تتطور نحو مصيرها المحتوم: الموت)؟وكما قال الوجوديون بأن الإنسان "مشروع وجود" أكثر مما هو " وجود ".( ومن ثمة لاماهية له بالمعنى الميتافيزيقي بل الإنسان حرية يختار نفسه بنفسه)، يقول سارتر ردا على كانط في النص السابق"إن الإنسان كائن يوجد قبل أن يكون بالإمكان تعريفه بهذا المفهوم أو ذاك، لأن وجوده( الواقعي والفعلي) سابق على اية ماهية محددة سلفا لطبيعة الإنسان.معنى أن الإنسان يوجد أولا، ثم يتحدد بعد ذلك.فإذا كان الإنسان غير قابل للتعريف، لأنه كان في البداية لاشيء، إنه لن يكون إلا فيما بعد، ولن يكون إلا وفق ما سيصنعه هو بنفسه.(الوجودية مذهب إنساني)
4- في الجذع المشترك قاربنا جزءا من المشكلة، وخلُصنا إلى أن الإنسان كائن مزدوج الوجود: طبيعة وثقافة. أي جسد وعقل ( أو نفس، روح، وعي، فكر...)وانطلاقا من هذا التحديد الشمولي للإنسان بدأت مُشكلة الخلاف بين الفلاسفة فيما بينهم، ثم بين الفلاسفة والعلماء فيما يخص طبيعة وحقيقة الإنسان، وهل الماهية المُزدوجة ( طبيعة/ ثقافة ) حلّت المشكل أم فاقمت منه وفسحت المجال لطرح أسئلة جديدة، ومن ثمة مُشكلات جديدة تتعلق أساسا بالعلاقة بين الطبيعي والثقافي.وهل أصلا للإنسان طبيعة سابقةعلى على وجوده ...سنطور النقاش حول هذه المشكلة في محورالإدراك الحسي والشعور، وخاصة مع الموقف العلمي الوضعي النورولوجي( الذي يرفض الثنائية ويختزل الإنسان في كونه حصيلة تفاعلات كيميائسة في المخ....إلخ)
5- تعرفنا أيضا في الجذع المشترك على الأطروحات التالية ، ويمكن استحضارها كمدخل لإعادة التفكير في ماهية الإنسان كما يطرحها مقرر السنة أولى بكالوريا:
أ- الموقف الفلسفي المثالي واللاهوتي، الذي قال بجوهرية النفس واستقلالها عن الجسد الذي يُعتبر عائقا ماديا أمام بحث النفس عن الحقيقة.ألم يقل أفلاطون بأن الجسد بمثابة القبر للنفس.فماهية الإنسان تتجسد في كيان روحاني مُفارق عن الجسد.
ب- الموقف المادي:
- الموقف المادي ( الآلي، والوضعي، والتجريبي....) الرافض لوجود شيء إسمه العقل ( أو الوعي أو الفكر..) ككيان مستقل ومُفارق للجسد. بل اختزل الوعي- كما سنرى بالتفصيل مع شونجو النص ص14 في مجرد نشاط عصبي فيزيولوجي أو مُجرد تفاعلات كيميائية في الدماغ. حجته كما سنرى تكمن في أن من يزعم بوجود وعي مستقل عن الدماغ - كما يقول الميتافيزيقيون -كأنه يزعم بوجود شبح في آلة.
- الموقف المادي الجدلي، الذي يؤمن بالازدواجية لكن بشرط إعطاء الأسبقية للعامل المادي في تشكيل الوعي، سواء كان هذا العامل المادي هو المخ أو علاقات إنتاجية..وهو بهذا لايرفض الوعي كما يفعل الوضعيون الجدد ،ولكنه يجعل الوعي تابعا للواقع المادي ( بمختلف تمظهراته) ألم يقل كارل ماركس : ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي لكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم".
- الموقف الوجودي: الذي ينكر أن للإنسان ماهية سابقة على وجوده الفعلي والواقعي( سارتر)....إلخ
- الموقف التركيبي والتفاعلي، الذي يرفض المواقف السابقة ويجعل من الإنسان حصيلة تركيب تفاعلي لا تفاضلي بين الطبيعي والثقافي، ليخلص إلى أن الإنسان كائن بيو - ثقافي. وفي هذا الإطار يمكن استحضار الفيلسوف المعاصر إدغار موران، الذي يقول :
"أن نقول إن الإنسان كائن بيو-ثقافي، ليس معناه فقط المجاورة بين هذين اللفظين، بل إبراز أنهما كلاهما يتعاونان في إنتاج بعضهما البعض، وأنهما يفتحان الطريق أمام قضية ثنائية: كل فعل إنساني هو فعل بيوثقافي ( الأكل، الشرب، النوم، التفريغ، الارتباط بشخص آخر، التفكير أو التأويل). وكل فعل إنساني هو في نقس الوقت فعل بيولوجي كلية وفعل ثقافي كلية... بخصوص الفعل لبيولوجي كلية ُنذكّر بأنه لا وجود لسمة تخص الإنسان بالضبط ليس لها مصدر بيولوجي. فنحن جميعا نحمل معنا إرث ماضينا " الحيواني" سواء في لعبنا أو في مُتعنا أو في بحثنا... أما أن الإنسان كائن ثقافي كلية... فيجب القول إن الأفعال الأكثر بيولوجية هي أيضا الأفعال التي تتسم بسمة الثقافة، كالموت والميلاد والزواج. فالأسرة مثلا، إن كانت نواة لإعادة الإنتاج البيولوجي، فهي في نفس الوقت نفسه مُدونة ثقافية تتشكل فيها تربيتنا...ويمكن القول بأن فكرة الطبيعة نفسها هي حصيلة ثقافة متطورة بوجه خاص...لقد كانت هناك دوما تصورات عن الطبيعة تنتمي إما إلى اليمين أو إلى اليسار من الناحية السياسية. فالتصورات المختلفة عن الطبيعة تدخل ضمن لعبة الصراعات الاجتماعية. "

Edgar Morin.L'individualité de l'homme.Fayad.1980
كما يمكن استحضار موقف جون لويس من خلال كتابه: الإنسان ذلك الكائن الفريد.حيث يناقش كل المواقف السابقة. كما يمكن الانفتاح على كتاب: مشكلة الإنسان، للمفكر زكريا ابراهيم.كما يمكن توظيف كتب عالم المعرفة عدد325 و287 وبالخصوص العدد 343.ويمكن حث التلاميذ على قراءة هذه المراجع وتهييئ عروض وموائد مستديرة للتفكير ومناقشة هوية الإنسان المحكومة بعدة مفارقات كما سنرى لحظة بناء مفاهيم الدرس.
يمكن تجريب التأطير التالي:

1- تراهن هاته المجزوءة على إبراز المحددات الأساسية للوجود الإنساني، إجابة على السؤال: ما الإنسان؟
2- إن سؤال الهوية ما الإنسان؟ سؤال إشكالي يؤسس لاختلاف المنظور تجاه ما هذا الذي به يكون الإنسان هو هو، كشرط لانوجاده؟
من بين أوجه هذا الإشكال الأسئلة التالية:
أ-هل للإنسان أصل مُعطى هو ماهيته الثابتة في الزمان أم الإنسان مُجرد مشروع للوجود قابل للتطور والزوال ضمن صيرورة بيولوجية وأخرى تاريخية؟ ( نقصد النفس أو الجسد(الدماغ) أو الحرية أو التفاعل التركيبي بين الطبيعي والثقافي في الإنسان))
ب- كيف تتعالق المحددات الغريزية والفيزيولوجية والمكتسبة(الثقافة) في انوجاد الإنسان، ما دام الإنسان مزدوج الوجود: طبيعة وثقافة؟
ج- كيف نُفسر انوجاد هذا الكل ضمن المفارقات التالية: (الجسدوالوعي) (الوعي واللاوعي)(الحقيقة والوهم)(الحرية والضرورة)(الرغبة والإرادة)...بمعنى أن وجود الإنسان ليس شفافا بل معقد وغامض وصعب الفهم.
إذن من أنا؟ وما هي مُحدّدات وجودي الذاتية والموضوعية؟
المفهوم الأول: الوعي
المحاور:
1- الإدراك الحسي والشعور.
2- الوعي واللاوعي.
3-الإيديولوجيا والوهم.
مقاربة مفهوم الوعي
1- للوعي عدة دلالات عند العامة وعند الفلاسفة:
-الوعي: هو اليقظة ــــــــ في مُقابل ـــــــــــ الغيبوبة (كأن الوعي شيء نمتلكه ويمكن أن نُضيعه)
- الوعي: هو قوة الإدراك ــــــ في مقابل ـــــ السطحية ( الوعي باعتباره معرفة مُباشرة بالشيء)
-الوعي: هو النضج ــــ في مقابل ـــــــ النفص (يأخذ الوعي دلالة أخلاقية، لأن القدرة على إصدار الأحكام المعيارية تشترط النضج والكفاءة، بخلاف النقص الذي قد يسيء إلى تحمل المسؤولية لأنه لا يخرج من دائرة الجهل، ومن ثمة إمكانية سوء التدبير والتصرف)
لغويا:



consciencث مشتقة من الكلمة اللاتينية conscientia وتعني المعرفة المشتركة مع الغير.
ب- في لسان العرب: وعى الشيء والحديث يعيه وعيا: حفظه وفهمه وعقله، فهو واع. وعى القرآن الكريم: عقله إيمانا وعملا.

3- في المقاربة الفلسفية:

أ- الوعي هو حدس الذات، أي الإدراك التأملي المباشر لما يُعرض للذات ويسمى أيضا réflexion دون الاستعانة بالحواس.خاصية هذا المستوى من الوعي أنه وعي فوري ومباشر immédiateté ( مثال: حينما أشعر الخوف، ليس هناك مسافة بيني وبين خوفي، لأنني أعيشه مباشرة ولست في حاجة إلى أن أستنتج ما هذا الذي أعيه.
ويسمى هذا بالوعي السيكولوجي القائم على الشعور بهوية الأنا من خلال تطابق الذات مع ذاتها، وقد يرقى الوعي إلى أعلى عتباته أو درجاته حين يتحول إلى وعي تأملي، أي حين يعقل أو يتعقّل ذاته بذاته.

ب- المعنى الخاص للوعي : الوعي فعل نفسي أو عقلي (باطني) يتجسد في تمثله للموضوعات بواسطة مفاهيم ورموز تتمظهر قي لسان langue ، إذ لا وجود لوعي بدون لسان.( العلاقة الوجودية بين الوعي والعالم)
خاصية هذا الوعي، بالإضافة إلى المباشرية، هي القصديةIntentionnalité بمعنى كل وعي هو وعي بشيء ما. إذن الوعي تأملي وفي نفس الوقت قصدي، يتجه نحو موضوعات خارجية يُعطيها دلالة ومعنى.يقول هيجل:
. الوعي والوجود
إن أشياء الطبيعة لا توجد إلا وجودا مباشرا وبكيفية واحدة، أما الإنسان فإن له، إذ هو روح، وجودا مزدوجا : فهو يوجد من جهة مثل أشياء الطبيعة، ولكنه من جهة أخرى يوجد من أجل ذاته، يتأمل ذاته ويتمثلها ويفكر في ذاته. إذ أنه لا يكون روحا إلا بهذا النشاط الذي يُشكّل وجودا لذاته.ويكتسب هذا الوعي بالذات في صورتين: أولا في صورة نظرية، لأن عليه أن ينكفئ على ذاته من أجل أن يعي كافة ثنايا باطنه البشري وميولاته. وبصفة عامة أن يتأمل ما
يمليه عليه الفكر بوصفه ماهية، و أن يتعرف على ذاته على وجه آخر سواء فيما يستخرجه من أعماقه الخاصة ومما يتلقاه من معطيات العالم الخارجي. ثانيا في صورة عملية لأن الإنسان يكون ذاته من أجل ذاته بواسطة نشاطه العملي، لأنه مدفوع إلى أن يجد ذاته ويعرف عليها فيما يُعطاه مباشرة ويُعرض عليه من خارج. وهو يبلغ ذلك عن طريق تحويله للأشياء الخارجية التي يطبعها بطابع داخلته، والتي يعثر فيها على تعييناته الخاصة.إن الإنسان يسلك على هذا النحو- بما هو ذات حرة –من أجل أن ينزع عن العالم غرابته القاسية.
هيجل. الاستطيقا. مختارات
ويقول هوسيرل: إن كل أنا أفكر أو كل حالة من حالات الوعي " تُصوّب " نحو شيء ما، وتحمل في ذاتها من حيث هي " تصويب" (من حيث هي قصد ما) نحو الشيء المفكر فيه الخاص بها...حالات الوعي هذه تسمى أيضا حالات قصدية. ولا تعني كلمة قصدية شيئا آخر غير تميّز الوعي بخاصية أساسية وعامة هي كونه وعيا بشيء ما، وكونه يحمل في ذاته-بصفته أنا أفكر- الشيء المُفكر فيه( تأملات ديكارتية))
ملحوظة:
من الأحسن تعديل عنوان مفهوم الوعي واللاوعي بمفهوم الوعي فقط. وذلك لأن المفهوم الأول المركب قد يخلق خلطا لدى التلميذ لأن أحد محاوره تحت عنوان الوعي واللاوعي. لماذا عنونة الدرس الأول بمفهوم الوعي؟ إجابة على السؤال: ما الإنسان؟ فالإنسان أولاوعي، والوعي يحتاج في انوجاده إلى لغة،لأنه لاوجود لوعي بدون لغة. ثم الوعي يتعالق في وجوده مع الجسد( الحواس) والجسد موطن الرغبة والغرائز أيضا، ومن ثمة اللاوعي، كما أن الجسد موطن الدماغ( السيالات العصبية)، وأخيرا الإنسان كائن اجتماعيوسياسي( لا تواصل بدون لغة وتعاقد وتدبير..).هكذا يجب بناء مفاهيم المجزوءة لحظة التحضير الكلي للدرس. فالإنسان كائن المفارقات: وعي /جسد، وعي/ لاوعي، طبيعة/ ثقافة. العلم والحقيقة/الوهم والإيديولوجيا.إذن هناك فرق بين عنونة الوحدة بالوعي، وهذه لها إحالة خاصة، بعكس لو عنوناها بالوعي واللاوعي، وكأننا أمام مشكلة واحدة، غير أن الأمر ليس كذلك، لأن اللاوعي جزء من مشكلة مُركّبة تنفتح على الجسد كحواس تؤسس للإدراك الحسي، ثم اللاوعي باعتباره الجزء الذي لا يفهمه الوعي، وأخيرا كيف نفسر أن الوعي في الوقت الذي يُنتج فيه العلم والحقيقة يُنتج الوهم والإيديولوجيا، أي يقوم بتزييف الواقع...؟ إذن الإشكال المسكوت عنه في الوحدة هو: ما الوعي؟ وما طبيعة علاقته بالجسد، أولا كحواس. وثانيا كموطن لللاوعي ، وأخيرا كيف نفسر أن الوعي مُنتج للحقيقة وفي نفس الوقت مُنتج للوهم؟


المحور الأول: الإدراك الحسي والشعور
*- المجال الإشكالي:
1- كيف يتحقق الوعي كتجربة شعورية سيكولوجية بالعلاقة مع الحواس ( إنها في الحقيقة إشكالية العقل والجسد) بمعنى كيف نجمع سببيا بين جسم مادي يخضع لقوانبن فيزيائية، وبين العقل كمعطى لامادي يملك حرية الإرادة؟ بمعنى كيف يمكن لشيء مادي(الجسد) أن يُسبب أي شيء في شيء لامادي( العقل)؟يقول جيمس تريفل في كتابه القيم:
هل نحن بلا نظير"تتلخص مسألة الوعي في التساؤل عن كيف يمكن لنظام مثل
العقل( والوعي فعل عقلي) والجسد البشريين أن يُنتج إدراكا للذات، بعبارة
أخرى كيف يستطيع نظام مادي يعمل وفقا للقوانين المادية أن ينتج الاستشعار
بالوعي بالذات، الذي نتشارك فيه جميعا؟ إذن هل يمكن تعريف الوعي تعريفا دقيقا؟
2- وما العلاقة بين الإحساس والإدراك؟ وكيف يتحول الإحساس الأولي إلى إدراك؟ وهل يمكن الحديث عن إحساس محض بدون إدراك ؟
نقترح الإشتغال على المقاربة الفلسفية لقضية الوعي، من خلال روني ديكارت ( الموقف العقلاني)، ثم الموقف التجريبي المتمثل هي دافيد هيوم ، وأخيرا مُقاربة الأطروحة البيولوجية للوعي، مع ج.ب.شونجو.
الموقف الفلسفي العقلاني والموقف الفلسفي التجريبي لقضية علاقة الوعي بالإدراك الحسي:
الشخص جوهر مفكر
" ماذا كنت أظنني من قبل؟كنت أظنني إنسانا بلا شك ، ولكن ما الإنسان؟.. أنا واجد أن الفكر هو الصفة التي تخصني، وأنه وحده لا ينفصل عني.. أنا كائن، وأنا موجود: هذا أمر يقيني، ولكن إلى متى؟ أنا موجود ما دمت
أفكر، فقد يحصل أني متى انقطعت عن التفكير تماما انقطعت عن الوجود بتاتا. ولكن أي شيء أنا إذن؟ أنا" شيء مفكر". وما الشيء المفكر ؟ إنه شيء يشك ويتصور ويثبت وينفي ويتخيل ويحس أيضا... لقد عرفت أني جوهر ذاته وطبيعته التفكير ، ولا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يخضع لشيء مادي ...وعلى هذه الصورة "الأنا" أو "النفس" التي هي أساس ما أنا عليه متميزة تمام التمييز عن الجسم." ر. ديكارت.التأملات.
قبل الشروع في تحليل إجابة النصين على الإشكالية المطروحة، يجب تحليل مفاهيم المحور الأول نظرا لأهميتها في بناء الإشكالية مفاهيميا:الإدراك الحسي والشعور.
[ الإحساس:ظاهرة نفسية متولدة من تأثّر إحدى الحواس بمُؤثر ما. بقول الجرجاني:"الإحساس إدراك الشيء بإحدى الحواس، فإذا كان الإحساس للحس الظاهر فهو المشاهدات، وإذا كان الحس الباطن فهو الوجدانيات."
- والحس هو القوة التي بها تُدرك الإحساسات،و الحواس هي آلت الحس.و الحسي أو المحسوس هو ما يُدرك بالحواس.
-الإدراك: يدل على شعور الشخص بالإحساس الذي تنقله إليه حواسه، والردّ عليه بصورة مًوافقة. هنا يختلف الإدراك عن الإحساس.فإذا حصل في ذات المُدرك عند تأثر أعضاء الحس انفعال سمي إحساسا، وإذا حصل تناول عقلي للحس سمي إدراكا. لكن الإدراك يزيد عن الإحساس بأن آلة الحس تكون فيه أشدّ والنفس أكثر انتباها من جهة إعطاء الإحساس معنى.الإدراك هو معرفة العالم الخارجي بواسطة الحواس وإعطائه معنى.

لكن المشكلة هي هل هذه التعاريف المعجمية يقبل بها جميع الفلاسفة، وخاصة العقلانيين الذين ينكرون دور الحواس في إمداد العقل بمعطيات حقيقية، أي يقبلها كما هي، بل للعقل مبادئ قبلية هي التي تُنظم معطيات الحواس بتحويلها من أشياء العالم المُشتتة إلى مدركات حسية ثم إلى مدركات عقلية بتطابق مع ما قي العقل من مبادئ لا تُستمد من الحواس لأنها قبلية.وآخرون يرون أن العقل صفحة بيضاء( التجريبيون)، والحواس هي التي تكتب على هذه الصفحة...إلخ. لننصت إلى تأويلات الفلاسفة والعلماء، ونفكر في كيفية طرحهم للمشكل، وطريقة حجاجهم بخصوص كيفية معرفة الذات لذاها ، وللعالم الخارجي، انطلاقا من إشكالية تأسيس العلاقة( التجاذبية أو التنافرية) بين العقل والجسد، أو النفس والجسد.
إجابة الموقف الفلسفي العقلاني. ديكارت
1- من عنوان النص يبدو أن الوعي في انوجاده وإيجاده للمعرفة لم يحتج إلى الجسد. ألم يقل في نهاية النص بأن الأنا العاقل لذاتهبذاته متميز عن الجسم.
2- حينما أراد ديكارت أن يعي ذاته لم يحتج إلى حواسه، بسبب أن الحواس تخدعنا في إدراكنا الحسي لموضوعاتها، مما جعل ديكارت يشك فيها ويستبعدها من عملية الوعي.
4- إذن الوعي عائق أمام حصول وعي بحقيقة الذات والعالم ( العالم كما تتمثله الذات لا كما تنقله لنا حواسنا). لكن من أين يستمد ديكارت الثقة في وعيه بذاته؟ إن خداع الحواس جعله يشك في كل شيء، ولكنه لا يمكن أن
يشك في أنه يشك. والشك تفكير، فهو إذن موجود لأنه يفكر بعقله لا بحواسه، لهذا فصل ديكارت بين الوعي والحواس في معرفة الحقيقة. السؤال: من أين جاء العقل( المفكر والواعي) بمبادئه التي يعي بها ذاته؟ يُجيب بأن العقل فطري، أي حاصل بصفة قبلية وسابقة على الحواس، مبادئ المعرفة المتعالية على الحواس والإدراكات الحسية.( ويمكن استحضار مناقشة ديكارت لمفهوم اللامتناهي باعتباره مفهوما قبليا وسابقا عاى التجربة الحسية لأن الله أودعه في عقل الإنسان. فالإنسان كائن متناهي ولا يمكن له أن يرقى لهذا المفهوم بذاته...إلخ
5- إذن الوعي هو وعي بالذات بواسطة العقل الذي يعي وجود ذاته بذاته وليس بالحواس، إنه وعي تأملي خالص لأنه جوهر( أي ما لا يحتاج في وجوده إلا إلى ذاته) وهو يُشكل حقيقة الذات وليست الحواس. ألم يقل:" متى
انقطعت عن التفكير تماما انقطعت عن الوجود بتاتا."
الأطروحة المضادة: الفلسفة التجريبية. دافيد هيوم
الإدراك الحسي والوعي بالذات
"هناك بعض الفلاسفة الذين يظنون أن لدينا في كل حين شعورا حميميا بما نسميه" أنا "، وأننا نحس بوجوده وباستمرار وجوده، وأننا متيقنون من هويّته وبساطته التامين يقينا أكثر من ذاك الذي يكون بواسطة البرهان.. أما من
جهتي فإني عندما أتوغل في أعماق ما أسميه"أنا" أصطدم دائما بهذا الإدراك الخاص أو ذاك بالحرارة أو البرودة
أو بالنور أو بالظلام وبالحب أو الكراهية و بالألم أو اللذة. فلا يمكنني أن أعقل نفسي (أنا) في أية لحظة من دون إدراك ما، ولا يمكنني أن ألاحظ إلا الإدراك. فعندما تزول إدراكاتي الحسية لمدة من الزمان، مثلما يكون ذلك بالنوم الهادئ فإن شعوري(بأناي) يزول طيلة النوم. ويمكن القول حقا بأني لست موجودا. فلو كانت جميع إدراكاتي قد زالت بالموت، وكنت لا أستطيع أن أفكر ولا أن أحس و لا أن أرى ولا أن أحب ولا أن أكره بعد تحلل جسمي، فإنني
أكون قد غبتُ تماما، وأني لا أتصور شيئا أكثر من هذا ليجعل مني عدما بحثا. دافيد هيوم. منقول من الشامل في الفلسفة.محمد سبيلا وآخرين.ص11

1- مُعظم الفلسفات التجريبية تنطلق من المقولة الأرسطية التالية:" لا يوجد شيء في العقل إلا وقد سبق وجوده في الحس.
2- كيف يحدث الوعي؟ يحدث بسبب إدراكاتنا الحسية للموضوعات الخارجية والذاتية. وهذا الحس هو الذي يحدد وجودنا. ألم يقل هيوم:"عندما تزول إدراكاتي الحسية ( في النوم) يزول إحساسي بوجودي.( كحقيقة مادية)
3- إذن مضمون الوعي يوجد بفضل الإدراك الحسي المباشر بواسطة الحواس، كمبدأ لبناء الوعي بموضوعات الحواس. لكن السؤال هو: كيف يتحول الإحساس بواسطة الحواس إلى معاني؟
4- أولا: إدراكاتنا عبارة عن:
أ- انطباعات حسية وذاتية تتكون في داخلنا مباشرة.
ب- تصورات هي نسخ عن الانطباعات نُكوّنها بواسطة التذكر والتخيل.
ثانيا: يحصل الوعي إذن بموجب قوانين التداعي.بمعنى توالي مختلف الأحاسيس بشكل تعاقبي وتكراري، نقوم بتذكره وتوقعه بفعلالعادة التي ألّفت العلاقة السببية بين العلة والمعلول في حقل التجربة. مثال: نقول بأن A ترتبط سببيا ب B ، وذلك بملاحظتنا لتتابعهما بالتداعي. فA تلحق ب B على ما جرت عليه عادتنا.
التفسير البيولوجي( النيوروبيولوجي) للوعي باعتباره نشاطا عصبيا مشروطا فيزيولوجيا.
تحليل نص شونجو. ص14 كتاب في رحاب الفلسفة.
المرجعية العلمية للنص وخلفياته الإيديولوجية المسكوت عنها.
-في نظري لم تتوفق لجنة تأليف كتاب في رحاب الفلسفة في اختيار نصوص وظيفية تخدم إشكالية العلاقة المعقدة بين الإدراك الحسي والوعي ( أي الجسد والعقل)، ولهذا اشتغلنا على نصي ديكارت وهيوم كما وردا في كتاب الشامل في
الفلسفة( محمد سبيلا، أحمد العلوي، محمد الشيكر)ومع ذلك يمكن جعل نصي شونجو وراسل يعالجان الإشكال أعلاه.
2- السؤال :ما الإنسان؟ من بين عناصر الجواب، الإنسان وعي. ولكن هل يمكن تحديد الوعي تحديدا دقيقا؟ ألا يصادف هذا التحديد مشكلة تقاطع الوعي مع الجسد، باعتباره حواسا ودماغا كآليات مادية، الأمر الذي يخلق المشكل العويص التالي: كيف يتعايش في نفس الذات نمطان من الوجود مختلفان في طبيعتهما الأنطولوجية: الجسد والنفس؟ إن طريقة طرح السؤال هي التي تحدد نوع الإجابة. وقد اختلف طرح سؤال العلاقة منذ بداية ظهور الفلسفة مع سقراط مرورا بأفلاطون وأرسطو..حتى الآن، ويبدو أن النقاش حول سؤال العلاقة بين الجسد والنفس سيستمر في المستقبل. إن هوية الوعي، وهوية الجسد، والسؤال عن طبيعة العلاقة بينهما ليست من الأمور التي يمكن الحسم فيها بسهولة نظرا لطبيعتها المعقدة، ونظرا لدخول المقاربات العلمية المتخصصة في الدماغ على الخط، بعد أن كان الوعي شأنا فلسفيا.
3- بالنسبة للأطروحة البيولوجية للوعي، ذات المرجعية العلمية السلوكية والتجريبية الوضعية،والتي تتموضع ضمنها مقاربة شونجو، هذا الأخير ينطلق في تعريفه للوعي من خلفية أن للإنسان بعد واحد هو جسده، وهذا ما يمكن ملاحظته بالتجربة، ومن ثمة للجسد عدة وظائف، من بينها أن الوعي مجرد إفراز دماغي تقوم به خلايا عصبية.ومن هذه الخلفية يعرف شونجو الوعي كونه عبارة عن نشاط عصبي مشروط فيزيولوجيا،لتأخذ" الصور العقلية" طابعا ماديا. هذه هي فرضية التفسير البيولوجي للوعي. لماذا؟ إن هذه الفرضية لا تؤمن بوجود النفس أو الروح في الجسد باستقلال عن النشاط الفيزيولوجي للدماغ، وبالتالي لا تعترف- كما يفعل الفلاسفة بوجود ثنائية العقل والجسد كما بفعل راسل في النص المقابل.لقد حسم شونجو في تحديده الدقيق للوعي باعتباره وظيفة دماغية، وليس معطى مُفارقا عن الجسد كما اعتقد أفلاطون وديكارت
إذن نحن أمام مقاربة علمية وضعية تنفي وجود الوعي في شكله الروحاني واللامادي، وتختزله في مجرد كونه إفراز دماغي. إذن إجابة عن السؤال هل يكمن تحديد الوعي تحديدا دقيقا، يجيب شونجو نعم، لأنه حسم الموقف برصد الوعي في تيار كهربائي ينقل إشارة من خلية عصبية إلى أخرى تتضمن رسالة.إذن ليست هناك إشكالية للوعي لدى هذه المقارية( وهناك من يسميها بالمقاربة المنكرة للوعي، مثل إنكارها وجود الشبح في الآلة الميكانيكية، وانتهى الأمر.إذن ليس هناك ما يمكن تفسيره بخصوص الوعي، وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف دانييل دينيت في كتابه" تفسير الوعي" حيث يصف القائلين بوجود شيء خاص حول الوعي البشري،أي شيء يقع خارج حدود المعروف عن أفعال الدماغ المادي، يصفهم بالرومانسية ( عالم المعرفة: هل نحن بلا نظير) ووصفهم شونجو بأصحاب الخطابات الأدبية حول موضوع الوعي.
لكن ما لم يستطع الإجابة عنه شونجو بشكل مُقنع هو الآتي:كيف نفسر كيفية الإنتقال من مجموعة من السيالات العصبية المُطلقة للإشارات العصبية إلى الإدراك بالذات ثم الوعي بهذه الذات؟


المحور الثاني: اللاوعي
تأطير: لا يمكن فهم فرضية اللاوعي من منطلق فلسفة الغريزة -كما أسس لها نيتشه وفرويد- إلا باستحضار فلسفة الوعي منذ أفلاطون حتى ديكارت مرورا بكانط وهيجل...فما الذي نعنيه بفلسفة الوعي؟ ولماذا ظهر تفسير/تأويل جديد للإنسان باعتباره جسدا يتحكم في عقل وليس عقلا يتحكم في جسد؟ ( يمكن الرجوع إلى درسنا الوضع البشري في هذا المنتدى)
إشكال المحور:
بأي معنى يمتلك الإنسان حياة نفسية باطنية لا يعيها العقل، إذ تنفلت من سلطته، وتشكل قارة مجهولة لا تنكشف للوعي إلا عبر علامات ورموز تحتاج إلى تفسير وتأويل دلالتها الخفية؟ما هذا الذي لا يعيه الإنسان فأطلق عليه إسم اللاوعي؟
*- الــــــــــــــلا وعي: تنقسم هذه الكلمة إلى شقين وهي تتضمن تناقضا ظاهريا)
أ- الـــــــــــلا: وهي صيغة للنفي،بمعنى أن ما هو موجود في الذات ولكن غير مشعور به، لأنه ينفلت من معرفتها بواسطة الوعي المباشر. السؤال لماذا لانعي هذا الذي بداخلنا؟ كيف أفسر حضور معطى نفسي في ذاتي ولكن لاأعيه؟ وبعبارة جوليا كريستيفا ما هذا الغريب الذي يسكنني على نحو غريب؟ إذن لماذا اللاوعي غريب ويسكنني على نحو غريب؟ هل نفهم من هذا الافتراض أن العقل لم يعد سيدا في بيته؟ إذن ما هذا الذي يسكن الذات ولا تعيع الذات مباشرة؟
ب- الوعي: هو الإدراك المباشر لما يعرض للوعي من خلال حضوره في الذهن كموضوع قابل للمعرفة العقلية. وصيغة النفي السابقة تؤسس للتناقض الظاهري فقط في الدلالة: حضور الموضوع في الذات لا يعني وعيه من طرف الذات، مع أن ما يغيب هو ما لا نعيه في غيابه وليس في حضوره.فاللاوعي أقرب إلى عدم فهم حياة نفسية لا يتحكم فيها العقل رغم وعيه بوجودها ، لكنه لا يستطيع التحكم فيها .نقول هذا حتى لا نخفق في وضع المشكلة بالمصطلح غير المناسب.
يقول فرويد ردا على ديكارت الذي آمن بشكل يقيني وبدهي أنه لا يوجد شيء في ذاته إلا ويعيه كامل الوعي، ومن ثمة طابق بين الشعور والحياة النفسية للإنسان:
"إن فرضية اللاوعي ضرورية لأن معطيات الوعي ناقصة جدا. ذلك أنه كثيرا ما تحدث لدى الإنسان السوي والمريض على حد سواء جملة من الأفعال النفسية التي تستلزم، من أحل تفسيرها، أفعالا نفسية أخرى لا تحظى باعتراف الوعي..إن هذه الأفعال النفسية اللاواعية لا تتمثل فحسب، في الهفوات والأحلام عند الإنسان السوي ، وكل ما نسميه بالأعراض النفسية والظواهر القسرية بالنسبة للإنسان المريض، بل إن تجربتنا اليومية الأكثر حميمية تضعنا أمام أفكار تخطر لنا من غير أن نعرف مصدرها أي أمام خلاصات تفكير تظل عمليات إنشائها وتمثلها خفية عنا ..إن كل هذه الأفعال الواعية تظل مفككة وغير قابلة للفهم، إذا ما أصررنا على الزعم بأنه ينبغي أن ندرك عن طريق الوعي كل ما يجري فينا من أفعال نفسية." سجموند فرويد .
ملحوظة منهجية: أود في البداية أن ألفت النظر إلى عدم الوقوع في الخلط بين مفهوم الجهاز النفسي وبين اللاوعي، على اعتبار أن اللاوعي جزء من الجهاز النفسي كما افترضه فرويد..السؤال لماذا كلما نتحدث عن اللاوعي ندرج معه
مباشرة الأنا والأنا الأعلى؟ مع العلم أن مجزوءة الإنسان تراهن على التقابل الإشكالي بين الوعي واللاوعي، وليس بين الوعي والجهاز النفسي، هذا الأخير مُتعلق بهوية الإنسان، كما هو الشأن في مقر الثانية بكالوريا.بينما في السنة أولى بكالوريا يجب التركيز على اللاوعي مباشرة، مع التنصيص على أنه جزء من جهاز نفسي ، دون الدخول في تفاصيل دور الأنا ووظيفته وعلاقته باللاوعي، ثم منشأ الأنا الأعلى ووظيفته وطبيعته ، الأمر الذي يشوش على مفهوم اللاوعي، وبالتالي يعتبر التلميذ أن اللاوعي هو كل الجهاز النفسي.وهذا تشويه لمفهوم اللاوعي. بمعنى من الأفضل عدم إغراق التلميذ فيتفاصيل الجهاز النفسي على حساب اللاوعي.
الملحوظة المنهجية الثانية: ليس المقصود هو التعريف بنظرية التحليل النفسي لفرويد، بقدر ما يتعلق الأمر بتوظيف نص فرويد للإجابة على سؤال محدد ضمن إشكالية المجزوءة، والمتعلق : كيف نفسر أن الإنسان وعي ( بما يعني هذا المفهوم من حضور الذات أمام ذاتها كتطابق معرفتها لذاتها مع ذاتها بطريقة مباشرة) وفي نفس الوقت لاوعي ( بما يعني أن الوعي غير ملم بذاته على اعتبار أن هناك من يسكن معه نفس الذات ، لكن لايعيه مباشرة ويتحكم فيه بصعوبة. المشكل الحقيقي هنا هو مشكلة عدم تطابق الذات مع ذاتها، لأن هناك شيء يغيب عن إدراك العقل له،هذا هو المشكل الحقيقي من توظيف الموقف الفرويدي، وليس الشرح المفصل للهو والأنا والأنا الأعلى وعلاقة كل هذا بالعالم الخارجي وكأن الأمر متعلق بتعرف ما يقوله فرويد وليس توظيف ما قاله في الإجابة عن إشكال. )
نقول هذا لأن أعمال فرويد تتعلق بالتجربة الإكلينيكية للمرضى، وليس من مهمة مدرس الفلسفة الدخول في مغامرة ما هو إكلينيكي لأنه بعيد كل البعد عن تخصصنا، وبالتالي ليس المطلوب من مدرس الفلسفة أن ينافس المحلل النفسي في موضوعه بقدر ما يجب على مدرس الفلسفة أن يوظف موقفه في حل مشكلة فلسفية: مثلا كيف نفسر بعد فرضية اللاوعي، أن الإنسان حر، وهو يجهل ما بذاته؟ بل هو خاضع من حيث لا يدري إلى قوى غريزية ورغبات مكبوثة لا تفصح عن نفسها مباشرة ، بل تتمظهر في سلوكات وحركات هي بدورها تحتاج إلى تأويل. كما أن فرضية اللاوعي تطرح مشكلة مسؤولية الشخص أمام نفسه وأمام المجتمع... هكذا يحضر مشكل اللاوعي كمشكلة فلسفية، وليس كتعريف وتشخيص من وجهة إكلينيكية تراهن على إيجاد نفسير وعلاج للأمراض العصابية والهستيرية....
صحيح أنه من الصعب فصل اللاوعي من مجاله الطبيعي وهو التحليل االنفسي، ثم الفصل بين هذا الميدان الطبي وبين مقاربته الإشكالياتية خدمة لمشكل مطروح ربما لم يفكر فيه فرويد نفسه. بمعنى كيف ننقل تجربة إكلينيكية كافتراض علمي إلى إشكالية فلسفية؟
يمكن الرجوع إلى كتاب Organibac Philosophie.édition magnard.1983 p 17-18 للتوسع في في هذه النقطة، التي أود فتح نقاش مع السادة الأساتذة بشأنها. أي كيف نتعامل وظيفيا مع موضوعات تأتي من خارج الحقل الفلسفي لنوظفها فلسفيا ( وليس علميا أو إقتصاديا أو سياسيا أو دينيا....إلخ) وذلك من خلال مساءلتها وأشكلتها حتى يمكن التفكير فيها فلسفيا ، وليس السقوط ضحية ميدانها المتخصص. نحن مدرسي الفلسفة الذين علينا استحضار الموضوعات المتخصصة إلى المجال الفلسفي لا العكس.
تحليل نص فرويد : فرضية اللاشعور. نص الرحاب ص 18.
1- يراهن النص على الإجابة على السؤال المفترض التالي: مالذي يشكّل أصل الحياة النفسية للإنسان؟
2-يتأسس مقول النص على فرضية ترقى إلى مستوى الفرضية العلمية انطلاقا من قرائن ومؤشرات دالة، اعتبرها فرويد واقعا نفسيا يترتب عنه دحض التصور الفلسفي التقليدي لمفهوم الإنسان والذي اختزله في المُكوّن العقلي فقط كأساس لحقيقته وهويته. لهذا يُطالعنا فرويد في بداية النص بدعوته إلى إعادة النظر في مفهوم الإنسان الذي قيل أنه يتميز بخاصية الشعور ( الوعي والعقل والتفكير ) ، وطالبنا بالتريث في إصدار هذا الحكم عن الإنسان بعد أن نُكوّن رأيا صحيحا في نشأة ما هو نفسي. ثم يصدر حكما بخصوص ما هو الإنسان قائلا: من الواجب أن نفترض أن اللاشعور هو الأساس العام للحياة النفسية... إن اللاشعور هو الواقع النفسي الحقيقي، وهو في طبيعته مجهول لدينا.
3- لحد الآن الموقف الفرويدي واضح بخصوص ما الإنسان؟ إنه ليس عقلا بل لاعقل. السؤال ما هو هذا اللاعقل الذي يسكن الذات بالرغم من العقل الذي لا يعيه ولا يتحكم فيه.
4- هذا الافتراض سيطرح مشكلة العلاقة بين العقلي واللاعقلي في طريقة انوجاد الإنسان سواء في علاقته مع ذاته المشروخة، حيث تحتجب عنه كثير من حقائقها النفسية، أو في علاقة الشخص مع الآخرين ( وهذا في الحقيقة ليس موضوعنا ). إذن فرضية اللاوعي تؤسس لتصور جديد لم يكن مثبولا لدى الفلسفة: وهو عدم التطابق بين العقلي والنفسي، ومن ثمة فهذا النفسي له من المقومات ما يضاهي الوجود العقلي كما تصورته الفلسفة طيلة تاريخها.كيف ذلك؟
5- من أدلة وجود اللاوعي الحلم.، بالإضافة إلى فلتات اللسان والنكتة والأمراض العصابية والهستيرية...لكن الحلم أهم مظهر لللاوعي، وهو نشاط نفسي يعبر عن التحقق الوهمي للرغبات المكبوتة. ولهذا فهو نشاط يتعذر على العقل فهمه على حقيقته مباشرة، بل الحلم يحتاج إلى تفسير وتأويل في أفق فهم مضمون الحلم القائم على آليتين في تشكيله وهما: التكثيف والنقل ( أو الإزاحة). السؤال من جاء اللاوعي ؟ وما هي حقيقته كبعد من أبعاد الذات إلى جانب الوعي؟
6- لم يشرح لنا فرويد في هذا النص منشأ اللاوعي ولا محتوياته، ويمكن استثمار العديد من نصوص فرويد في هذا المجال.فاللاوعي والذ يسميه "الهو" أول ما يولد مع الطفل، ومن ثمة فهو مستقر الغرائز التي تولد مع الطفل، اختزلها فرويد في: الإيروس ( غرائز الحب واللذة التي تتجسد في الدوافع الجنسية)، والتناثوس ( غرائز العدوانية والتدمير..). هذا جانب من البعد الموروث لللاوعي، لكن هناك جانب مكتسب يتمثل في أن اللاوعي يعتبر أيضا مستقر للرغبات المكبوتة التي لم يتم تلبيتها من قبل المجتمع، فلم تنمحي بل استقرت في اللاوعي تنتظر الإشباع الذي تحركه طاقة ليبيدية هي المحرك لمبدأ اللذة.
7- لهذا يخضع اللاوعي لمبدأ اللذة، باعتبارها حافزا نفسيا لاوعيا يهدف إلى الإشباع الفوري دون مراعاة للمنطق أو الأخلاق، وذلك بسبب أن طبيعة اللاوعي غريزية، والتي تصطدم بما يمثله العقل من صرامة ومنطق وأخلاق..لكن الغريزة الجنسية لا معنى لها في ذاتها كغريزة، بل تتمثل في شكل عاطفة غير واعية.وينطرح لاحقا طبيعة لغة اللاوعي كما حددها جاك لاكان، واستقصاء الطرق التمثيلية للاوعي.
8- إن حضور اللاوعي أساسي في حياة الإنسان بجميع أبعادها. سندرج هنا نصين أساسيين لما يريد أن يقوله فرويد بخصوص اللاوعي, الأول لفرويد أورده بول لوران أسون في كتابه التحليل النفسي ص 80 والثاني لعبد الله العروي:
يقول فرويد- ": ليس هناك شيء غريب دخل إليكِ، إنه جزء من حياتكِ النفسية الخاصة انفلت من معرفتكِ، وسيطرة إرادتكِ.... أنت تعتقدين أنك تعرفين كل ما يجري في نفسك، بمجرد أن يكون ذلك مُهما لأن شعورك قد أبلغك ذلك إذن. وعندما تكونين على غير علم بالشيء الذي يحدث في نفسك، فإنك تقبلين بطمأنينة كاملة، أن ذلك غير موجود فيها.بل إنك لتذهبين إلى حد الاعتقاد بأن ما هو نفسي مطابق لما هو شعوري، أي لما هو معروف من طرفكِ ، وذلك رغم البراهين الواضحة على أن أشياء كثيرة تحدث في حياتك النفسية أكثر من تلك التي تتماثل إلى شعورك . اتركيني إذن ألقنك أشياء بهذا الصدد: إن ما هو نفسي لا يتطابق فيك مع ما هو شعوري، فأن يحدث شيء في نفسك، وأن تكوني على بينة كافية منه، فهذان شيئان مختلفان ... أدخلي إلى أعماق نفسكِ ، وتعلّمي أولا أن تعرفي ذاتَكِ، وإذ ذاك ستفهمين لماذا تسقطين مريضة، وقد يكون باستطاعتكِ أن تتلافَي المرض". سجموند فرويد .التحليل النفسي- بول لورانآسون- ترجمة محمد سبيلا –ص80، ( من مراسلات فرويد إلى القس بفيستير 1920)
يقول عبد الله العروي:" لا يمكن أن نفهم الأفكار والأنظمة الاجتماعية والمذاهب بالنظر إلى القواعد العقلية التي أنشأتها وركبنها. لابد من الغوص عما يتحكم في العقل ويستخدمه. إن القوة التي تستخدم العقل لتنفيذ أغراضها بوسائل ملتوية هي الرغبة المكبوتة وراء الوعي.كل ظاهرة( فكرة، مؤسسة، مذهب)هي عبارة عن نزوات للرغبة...إذا أخذنا هذه الأشياء أو فهمناها على أساس العقل الذي ركبها فإنها تقود إلى أوهام، إلى ما يظهر حقيقة في حين أنه يستر الحقيقة...
لإت الأفكار أوهام تخدعنا بها الرغبة الإنسانية لتصل إلى أهدافها. وتعرية الأوهام من صبغة الحق التي يلصقها بها العقل هي واجب العلم في رأي فرويد... كما أن نتاجات العقل عنده هي تبريرات خلقها الإنسان المتمدن لمعارضة دفع الرغبة الجارف وذلك استنادا إلى طبيعة الإنسان الحيوانية."(مفهوم الأدلوجة ص 42)
كل ما سبق يحيب عن السؤال : ما الإنسان؟ والحالة قد نقول إنه وعي وفي نفس الوقت لاوعي. لكن ماحقيقة هذه التركيبة الفريدة؟
بناء الإشكال:
تأطير لابد منه كمقدمة لفهم زلزال فرضية اللاوعي
1- أول ما يلفت النظر، أن فرضية اللاوعي أحرجت الخطاب الفلسفي، الذي تربع على عرش المعرفة أزيد من 26 قرنا. وكانت نظرية فرويد، وقبلها مطرقة نيتشه، المعول المفتت لأسطورة كون وعي الذات بذاتها هو وعي مباشر ويقيني وقصدي. هاهنا يحرج فرويد كل الفينومينولوجيين والوجوديون...من ميدان تحليلي لطاما اعتبروه خارج نطاق إمكانية زحزحة الوعي عن مركزه.
2-المشكلة التي خلقتها تأويلات فريد، وهي التي أشار إليها " ألان " في النص المقابل والمحاور للنص الفرويدي في الكتاب المدرسي ص 19، تكمن في إمكانية اعتبار اللاشعور" أنا " آخر له كيان مستقل وسلطة على الذات.هذا اللأنا اللاوعي قد يبدو أن له أحكامه المُسبّقة، وأهواؤه وحيله، وغالب الأحيان ليس الشخص هو المتكلم والفاعل الحقيقي، وإنما مُتكلّم فيه ( ليس بالمعنى الذي أطلقه فوكو، والذي يقصد به بنية غفلة غير مرئية يشكل " الإبستيمي " مرجعيتها الأساسية) ولكن هذا المتكلم في الإنسان يجهله الإنسان انطلاقا من وعيه فقط.
3- لكن يجب إحراج التلاميذ بالسؤال التالي : من يتحدث عن اللاوعي الآن، ونحن نكتب ونحلل ونناقش؟ أليس الوعي، ما دام اللاوعي لا يفصح عن ذاته مباشرة كما بفعل الوعي؟ أليس الوعي هو وعي باللاوعي، وبالتالي أين المشكلة؟ فبدون الوعي لم يكن من الممكن للاوعي أن يطفو على سطح الحقيقة، مادام اللاوعي يشتغل في الظلام، وبفضل الوعي تمّ تسليط الضوء على اللاوعي. السؤال ما طبيعة العلاقة بين الوعي واللاوعي؟ ولماذا يحاول المدافعين عن اللاوعي التشكيك في الوعي، مع أن الوعي هو الذي اكتشف أن هناك آخر يسكن معه. إن اللاوعي لا يعرف القراءة والكتابة والتأليف ( فلغته غريزية وفورية، حرة ولا تعرف اللف والدوران)ومع ذلك تسلل إلى لغة الوعي المنظمة لكي يفصح عن نفسه. فلو لم يتمثل اللاوعي فيما يمكن للوعي أن يعي به ،لما تم الوعي بوجود اللاوعي.
4-الاحراج الثاني، في أفق خلق اندهاش لدى التلميذ، وبالتالي دفعه إلى المساءلة: كيف نفسر أن اللاوعي شيء لا يمكن إدراكه لكنه واقعي؟ لكن واقعيته تتمظهر من خلال أثرة وعلاماته، التي بدورها هي حصيلة عملية تأويل؟
يُجيبنا فرويد بصراحة:" إن معظم الذين يحملون ثقافة فلسفية، غير قادرين على أن يتصوروا أن حدثا نفسيا ما يمكن أن يكون غير مشعور، ويقصون هذه الفكرة على أنها عبثية ومتناقضة مع المنطلق السليم." ( عن كتاب التحليل النفسي لكاترين كليمان. ترجمة حمحد سبيلا وحسن أحجيج ص31 )
5- إذن تتأرجح هوية الإنسان بين فلسفة الوعي، القائمة حلى فكرة حضور الذات أمام ذاتها من خلال تطابقها وتشابهها مع ذاتها عبر وحدة هي أساس هوية الذات، وبين فلسفة الغريزة القائمة على مسلمة الغياب، بحيث لم تعد الذات تلك التي لا يغيب عن إدراكها لذاتها أي شيء، بل أصبح مفهوم الغياب ( ما يغيب عن الوعي) المحدد لبنية المعطى النفسي للشخص، ولا يتمظهر هذا الغياب ( عكس الوعي المباشر )إلا من خلال لغة الرغبة المكبوتة في اللاوعي ، أي من خلال التكثيف وغلإزاحة وسيسميها جاك لاكان فيما بعد ، الاستعارة والكناية .
إن لغة الرغبة ليست هي لغة الوعي، وتفريغها لمحتوياتها لا يتم بنفس أسلوب الوعي لحظة التعبير عن أفكاره. يقول فرويد:" تتكون نواة اللاشعور من العناصر الممثلة للدافع والتي تريد إفراغ محتوياتها بواسطة تجليات الرغبة" هنا تختلف تجليات الوعي عن تجليات الرغبة.
يمكن توظيف النص التالي ل: ميشال هار من كتابه: الجنس ةالوعي الأخلاقي. في نقد التحليل النفسي الفرويدي،
واستثماره في التقابل بين الخطاب الفلسفي، والتحليل النفسي ذي خلفية الطب النفسي، والتساؤل كبف أمكن لنظرية آتية من علم النفي الإكلنيكي أن تزحزح البديهيات الفلسفية ذي الخلفية العقلانية. يقول ميشال هار:"
لقد تم التفكير في الإنسان، طيلة التقليد الفلسفي، بدءا من أفلاطون، باعتباره ال: حيوان العاقل... والإنسان بواسطة عقله وإرادته قادر على التحكم التام في كل أهوائه. لكن الخضوع مع ذلك، لفكرة أو لإرادة لاشعورية هو ما يسحب عن الإنسان كل سيادة. فهو من ثمة لم يعد سيد ذاته. فلا غرابة إذا ما رفض القبول بأن أفك

تحت تصنيف : حقيبة الاستاذ

التعليقات

  1. اسماء قال:

    شكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

    شكرااااااااا كتيرا

  2. لطيفة قال:

    رد: ما الانسان؟؟

    جزاك الله خيرا على مجهودك الجبار وفي انتضار المزيد

  3. ايناس قال:

    ما الانسان

    ا نا عايزة اشكرك جزيل الشكر لانو بكرة عندي اختبافي الفلسفة

إضافة تعليق