" المناهج الفلسفية" للدكتور الطاهر وعزيز

 

 

يتكون هذا الكتاب من ستة فصول يتناول فيها المؤلف إشكالية تعليم الفلسفة. في المقدمة يشير المؤلف إلى أن هذا الكتاب هو نتيجة للنظر:

أولا: في مشكل تعليم الفلسفة وكيفية تعليمها.

ثانيا: فإن الكتب المتداولة كمدخل إلى الفلسفة، لا تكشف عما هو جوهري وهو كيف نتفلسف؟

ثالثا: كتب تدرج في الفلسفة من غير أن يبدو بالرغم من جلال قيمتها، وجه لقائها مع التقاليد الفلسفية.

وضح المؤلف في هدا الكتاب أهمية المنهاج الفلسفي ومكانته عند الفلاسفة من جهة وإهماله عند مؤرخي الفلسفة من جهة أخرى.

الفصل الأول: المنهاج في الفلسفة:

يشير المؤلف في هذا الفصل إلى أن تعليم الفلسفة ارتبط عند اليونان بتلقين طرائق التفلسف. هذا التلقين الذي يسبق الإقدام على الفلسفة، ويشمل التمرين على طرائق الجدل والاحتجاج. فقد أدرج أفلاطون في أكاديميته تمارين على المناهج العلمية وطرائق الجدال.

وقد كان المنهاجان الأساسيان للتعليم في جميع جامعات القرون الوسطى هما قراءة النصوص وتفسيرها من جهة، والحجاج من جهة أخرى.

وهكذا تطرح مسألة ويدافع بصددها كل واحد، إما عن نعم أو عن لا بواسطة ما يبدو له من الحجج أبلغ في الإقناع. وبعد يوم أو عدة أيام من هذا التمرين، يجمع المعلم الأدلة ويصنفها حسب الإثبات أو النفي، ثم يحدد الحل.

ويؤكد المؤلف أن تعليم الفلسفة، بدون بيان طريقة التفلسف، يكون مجرد تلقين لأفكار. وقد كتب كانط في هذا المعنى أنه لا ينبغي أن يتعلم الطالب أفكارا وإنما أن يفكر، "إننا لا نتعلم الفلسفة بل نتعلم التفلسف" وفي نهاية هذا الفصل يطرح المؤلف سؤالا من قبيل فما هو هذا المنهاج الذي نتبعه في البحث عن الحقيقة؟. ويؤكد على انه هناك أصلا واحدا للنظر الفلسفي من جهة وتعدد وتنوع الطرائق المستعملة من جهة أخرى.

 

 

الفصل الثاني: أصل المنهاج الفلسفي:

يبين هذا الفصل على أن الأصل في ظهور الفلسفة الحرية كانت لدى الفلاسفة الحرية في أن يطرحوا أقدم الأفكار للنقاش وأن ينتقدوا بعضهم البعض.

وقد قيل عن بروتاجوراس أنه أول من علم بأنه يمكن في كل مسألة أن يدافع عنها أو أن نعارضها أي نؤيد القول ونقبضه على السواء. وقد استقى شيخ السوفسطائيين من زينون الإيلي طرائقه الدقيقة في الجدول وأفرغها من محتواها، ولم يبن إلا على هيكلها الصوري، واستخلص منها مبادئ لطريقة النقاش، وهذا ما يفسر سيادة الجدل بعده في الفلسفة والعلم والثقافة اليونانية. ويرى كارل بوبر أنه إذا كان للفلسفة منهاج فهو النقاش العقلي، إلا أنه ليس خاصا بالفلسفة، فهو كذلك منهاج العلوم الطبيعية.

الفصل الثالث: تعدد المناهج الفلسفية:  

يشير المؤلف في هذا الفصل على أنه ليس هناك منهج واحد يمكن للفيلسوف أن يتبعه. وربما كان من المناهج في الفلسفة بقدر ما تدرسه من مواد". بحيث تبقى للفلاسفة الحرية في أن يستعملوا أي طريق يرونه مناسبا من أجل البحث عن الحقيقة، وهناك المناهج الضمنية والمناهج الصريحة، ينبغي التميز بين هادين النوعين.

أولا: مناهج مستخدمة عمليا عند الفلاسفة، ونستخلصها من كتاباتهم بعد أن تفلسفوا. وقد تحدث ياسبرز مثلا عما أنجزه كانط بواسطة مناهج ربما لم يكن واعيا بها تماما.

ثانيا: مناهج قام أصحابها بتقنينها وتبريرها،  وهي إذن حسب الظاهر على الأقل وليدة بحث في المعرفة قبل المعرفة. مثلما فعل ديكارت" حيث يبدو موضوع المنهج عنده خطاب مفصل، وهناك أنواع المناهج: فهي تتنوع حسب مقاصد كل فيلسوف:

أولا: منهاج الاكتشاف أو التعليم، ويدخل فيها الحدس والتحليل الرياضي، أو طريقة الفرض والتحليل اللغوي والشعر.           

ثانيا: مناهج الاستدلال التي ينبغي التمييز فيها بين نوعين اثنين على الخصوص.

1-  طريقة البرهان، فقد قامت الفلسفة زمنا طويلا، ابتداء من التحليلات الثانية لأرسطو على المنطق في تحديدها لمنهاجها. ذلك أننا نستطيع أن نستخرج من الارجانون نظرية في العلم تتميز بالصرامة ولا تترك مجالا لغير البرهان واليقين.

2-    طرائق الإقناع، ذلك أن الفيلسوف عليه أن يقنع القارئ أو المستمع.

ثالثا: مناهج التعليم والتبليغ، وتحظى إلى جانب النوعين الآخرين بعناية الفيلسوف، ويراعيها فيما يكتب.

الفصل الرابع: مناهج الاكتشاف:

يستعمل الفيلسوف بعض هذه الطرق مثل: الحدس – التمثيل- المثال- الاستقراء- التحليل اللغوي- التقابل – المفارقات – الإحراج- التحليل الرياضي – القسمة. 

1-                الحدس: هو إدراك مباشر للأشياء، كما قال برغسون نفود إلى الأشياء من غير الدوران حولها.

2-       التمثيل: يدل على الاستدلال بالتمثيل أو التمثيل كما يقال اختصارا في معناه الأصلي، والدقيق على فكرة التساوي بين نسبتين، أي التناسب بين أربعة حدود تتألف من زوجين اثنين كما يلي: إن نسبة أ إلى ب كنسبة جـ إلى و.

3-       المثال: شيء أو حدث واقعي أو خيالي يسمح لصاحبه بالاستدلال عن طريق التمثيل. وقد لجأ أفلاطون في محاوراته إلى الأنموذج. وأسند إليه دورا هاما في دراسة الواقع وفهمه.

4-       الاستقراء: لقد استعمل الاستقراء في الفلسفة اليونانية واستعمله سقراط على وجه الخصوص حيث يقول أرسطو بان هناك شيئين يمكن نسبتهما إلى سقراط، وهما الاستدلالات الاستقرائية، والتعريفات الكلية. وهما معا يكونان في بداية العلم.

5-       التحليل اللغوي: يشمل التحليل اللغوي النظر في معاني الأسماء، وفي الاشتقاق واستغلال الألفاظ كما تستغل أسماء الأضداد.

6-       التقابل: توجد المفاهيم في أزواج تمثل الضدين، فلا نكاد نجد واقعا عينيا لا يمكن أن ننظر إليه نظرتين متعارضتين، ويطلق (بيرلمان) على التقابلات التي تشكل الخطاب الفلسفي، اسم الأزواج الفلسفية. وهي على غرار المظهر / الواقع.

7-                المفارقات: إن المفارقة هي معارضة الأفكار المأخوذ بها، وتستمد قوتها من شدة هذه المعارضة.

8-       الإحراج: وقد قال البعض عن أرسطو بأنه رجل الإحراجات الذي لا يحرص على التعجيل بحلها. لقد ارتبط منهاج الإحراج باللغة مثلما ارتبطت بها المناهج التي سبقته.

9-       التحليل الرياضي: عند الحديث عن هذا المنهج، يستحضر المؤلف أفلاطون بالنسبة لهذا الأخير العالم بنية رياضية وتصوره لذلك والفيزياء كعلمين رياضيين. حيث يبدو أفلاطون ذو نزعة رياضية.

10-     القسمة: ويشكل الجدل النازل المرحلة الثالثة في تطور المنهاج عند أفلاطون بعد التحليل اللغوي والتحليل الرياضي. إن القسمة هي الطريقة الأساسية في الجدل من حيث أنه مناهج العلم.

الفصل الخامس: مناهج البرهان والإقناع.  

ويشمل هذا الفصل أهم طرائق البرهان والإقناع عند الفلاسفة. وقد ذكر المؤلف في هذا الصدد 1- البرهان – البرهان الرياضي، الجدل، برهان الخلف، الاستدلال بالقدماء.

ويشير إلى أنه قد يستخدم البعض من هذه المناهج بغير الإقناع، فالجدل كما قال أرسطو يصلح للرياضة الذهنية أو للتعليم.

1- البرهان: ويعني أرسطو بالبرهان "القياس الذي يكون من مقدمات صادقة أولية" و"المقدمات الصادقة الأولى هي التي تصدق بذاتها لا بغيرها". ولقد أصبحت الطريقة البرهانية في الفلسفة الإسلامية المعيار المميز للعلم.

ولقد استعمل الكندي المنهاج الرياضي الهندسي.

الفصل السادس: مناهج التعليم والتبليغ.   

أورد المؤلف في هذا الفصل المناهج المختصة بالتعليم والتبليغ، منها: التهيئة، الحوار، الأسطورة، الشعر.

1-  التهيئة: وتقوم هذه التهيئة في جوهرها على حوار دائم بين المتعلم ومعمله، حوار يعتني به فكرهما معا في نهاية المطاف، ويعلن أفلاطون أن فلسفته الحقيقية لا تبلغ، لا عن طريق الكتابة ولا شفاها، ولا يمكن أن تحضر إلا في اللحظة التي تنبثق فيها الشرارة عند التبادل بين فكرين.

2-  الحوار: الفلسفة حوار كما قال أفلوطين "ولو لم يكن فورغوريوس يسألني لما كان لدي اعتراضات أقوم بحلها وبالتالي لا يكون لدي ما أقوله". 

اعتبر سقراط أن الحوار هو الخطاب الحي المفعم بالحركة ولا تشكل الكتابة سوى صورة له. إن الكتاب بدل أن ينقل الحوار حقا، يقوم كحاجز أمام الاتصال البشري الحقيقي. وجرت العادة القول بأن منهاج سقراط هو التهكم والتوليد. مع أن هذين ليسا سوى أسلوبين في الحوار وطريقتين تعليميتين.  

3-    الأسطورة: وينبغي التفريق بين نوعين من الأساطير،

أ‌-       تأثيرات الأساطير في الفلاسفة: ولم تغب عن وعي الفلاسفة في اليونان ذكريات الزمان الأسطوري والشعري.

ب‌-اللجوء إلى العرض الأسطوري، أي استخدام الأسطورة كطريقة حية شعرية في التعبير عن وقائع وأفكار يصعب النفوذ إليها. فإن الفكر الفلسفي بعد أن انتقد الأساطير على أنها أوهام قام بحكاية أساطير.

وعموما فالأسطورة توظف في الفلسفة كمنهج وطريق لتوضيح الخطاب الفلسفي.

وقد استخدم أفلاطون الأساطير في محاوراته للتعبير عن ظروف مختلفة، وتستجيب كل أسطورة إلى ما يشغل فكره في فترة معينة. وهناك مثلا:

الأساطير الرمزية: من نوع ضرب الأمثال، منها أسطورة الكهف وهناك الأساطير التكوينية: وهي ذات شكل تاريخي. وتحكي تطورا وصيرورة ما كما في محاورة طيماوس التي تحكي صيرورة تتطابق مع نظام منطقي، لا مع تعاقب زمني   

4-    الشعر : إن علاقة الشعر بالفلسفة متعددة الجوانب. الشعر كنوع أدبي معروف، ويمكن تقسيم المواقف نحوه إلى قسمين :

-  الموقف الأول، يرى أن الشعر ليس فلسفة: حيث يرى هيجل مثلا أن بعض الشعراء عبروا عن أفكار عامة وعميقة، ولكن هذه الأفكار هي من جهة ثانوية، ومن جهة أخرى لم تصل إلى صورتها الحقيقية.

وأصحاب هذا الموقف الذي ينفي السمة الفلسفية للشعر لهم عدة اعتبارات منها: القصد. فالقصيدة في نظرهم لا ترمي بالضرورة إلى تبليغ معنى موجود قبليا ومستقل عن الحقيقة. فالشعر يرجع إلى ميدان الخيال والوهم. بينما تريد الميتافيزيقيا أن تكشف الحقيقة.

- الموقف الثاني: يرى أن الشعر فلسفة، وحجتهم في ذلك قول ابن سينا "ولهذا صار الشعر أكثر مشابهة للفلسفة من الكلام الآخر ، لأنه أشد تناولا للموجود وأحكم بالحكم الكلي".

 

استنتــــــــــاج:

 

من خلال تلخيصنا لهذا الكتاب المناهج الفلسفية: و تتبعنا المركز لفصوله، نستنتج أن المؤلف يوضح أن الفلسفة منهاج في حد ذاته. ولها طرق مختلفة من المناهج وتبقى الحرية للفيلسوف أو المشتغل بالفلسفة في اتباع هذه الطريق أو تلك لوصول إلى الحقيقة بمعنى أن ديداكتيك الفلسفة نابع من ذاتها وذلك اعتمادا على المناهج التي سلكها الفلاسفة في هذا الصدد بمختلف الطرق في تعليم الفلسفة وتبليغها إلى الآخرين.            

إنجاز رضوان عساسي

 

 

 



تحت تصنيف : نصوص فلسفية

التعليقات

  1. ممزق الشخصية قال:

    رد: " المناهج الفلسفية" للدكتور الطاهر وعزيز

    الفلسفة وبأختصار
    هيآ حقل الأستكشآف

    رائعة هيآ هذه الحروف
    التي شرحت لنآ بعض التوضيحآت
    التي يجب تشريحهآ

إضافة تعليق