“المعجون” الممزوج بالمخدرات يغزو تلامذة الإعداديات

 

قهقهات تكسر صمت الشارع ، وأحاديث عن الصاحب العيان والصديق الولهان، وتوابل من إيحاءات جنسية لا يجرؤ على ترديدها شبان منحرفون، في الصورة خمس تلميذات يرتدين زي المدرسة الموحد للإناث، جميعهن يضعن الفولار باستثناء واحدة، وكلهن كشفن عن جرعات متوالية من «التزنديق» أبهرت كل من تواجد بالتزامن مع هذا الاستعراض الغريب.

سلوكيات عدوانية لبعض التلاميذ بسبب تناول المخدرات

سلوكيات عدوانية لبعض التلاميذ بسبب تناول المخدرات

كن يسرن في شارع ثانوي متفرع عن شارع القوات المساعدة المكتظ بالسيارات والحافلات، على شاكلة مصفوف فريق يؤدي رقصة أحيدوس الباذخة بالحركة، لكنهن لم يكن في حالة تسمح لهن بالانتباه إلى المتفرجين المبثوثين في أرصفة الشارع على شكل تجمعات صغيرة أمام دكاكين و”سيبيرات” ومقاهي الحي.

«آش هاذ المسخ .. آش هاذ التق….» هما طرفا التعليقات التي رافقت هذا المشهد، وتفاوتت التعليقات بين قائل بظهور علامات الساعة، وبين عارف بهوية الفتيات، وشكه في تعرضهن لتخدير مسخ حقيقتهن، وما هي إلا لحظات حتى تبدت حقيقة ما أصاب التلميذات.

في منعرج الشارع الثانوي نحوالشارع الرئيسي كان بائع الحلويات المتجول يعبر نحو المقهى لتسويق سلعته، وفجأة تطاير صحن الحلويات وعلت القهقهات، وحصل تجمع سريع، بقي البائع مشدوها للاصطدام المقصود الذي تعرض له من قبل التلميذات، لم يصدر عنه أي رد فعل، بل استرعاه منظر إحدى التلميذات التي سقطت مترنحة لتدخل في نوبة قيء شديد، وبعد لحظات من تجمع رواد المقهى والمتابعين لمشهد التلميذات المشاكسات، خرج العارفون بخبايا «الكمية والتبويقة» مرددين «راهم شبعانات معجون».

«هاد الشي معروف، ولكن الخطير هو اللي كتشفناه فهاد السيمانة» والتصريح لمنسق قافلة «لا للقرقوبي لا للمخدرات» التي نظمت خلال الأسبوعين الفارطين قافلة هذه السنة التي تستهدف التحسيس بخطورة الظاهرة بإعداديات الدار البيضاء، وشروعها في معركة جمعوية لمحاربة تعاطي المخدرات بالمؤسسات الإعدادية بالعاصمة الاقتصادية.

الخلاصة الأولية للقافلة تفيد بارتفاع مخيف لتعاطي التلاميذ من الجنسين للمخدرات بمختلف أنواعها، القافلة التي استمعت لعدد كبير من شهادات التلاميذ أنفسهم، كشفت عن وجود بيئة قذرة بمحيط المؤسسات التعليمية تهدد التحاق أفواج واسعة منهم بالمدمنين على المخدرات.

العتبة الأولى لاستدراج التلاميذ لعالم المخدرات، حسب حصيلة القافلة، هو “المعجون” الذي يسهل إقناع التلاميذ بتناوله، سواء من باب الرغبة في التجريب أو من باب إظهار «القفوزية»، وهو منتوج لا يقتصر على جرعات التهييج التقليدية، بل هناك من يتابع الوضع عن كثب، ويزود التلاميذ بكميات معدلة، تحول التلميذ إلى عالم شبيه بما عاشته تلميذات شارع القوات المساعدة.

خالد تلميذ بالمستوى الثامن إعدادي بإعداية بدرب الكبير أبهر مسؤولي قافلة «لا للقرقوبي لا للخدرات» بإحاطته الواسعة بعالم المخدرات، يحفظ أسماءها ويستعرض تأثيراتها بإسهاب، ويسر بأعداد التلاميذ «المبليين »، ويكشف قصص تلميذات يقصدن زوايا الدروب ومقاهي الشيشا، بعد تخلصهن من وزرة الدراسة، منهن من وصلت عتبة «البلية الخايبة» بكل تبعاتها الجنسية وانقطاع الصلة بالأهل، ووقوفهن على أبواب «جهنم الإدمان».

مسارات هذه الآفة التي يحيط خطرها بالتلاميذ، رصدتها القافلة وتأكدت منها عائلات التلميذات اللائي حولن محيط المقهى بشارع القوات المساعدة إلى حلقة للتنديد بـ«السيبة». التلميذة التي غرقت في نوبة القيء يعرفها جل المتحلقين، وهو ما عجل بقدوم والدتها بعد إخبارها بسرعة، جاءت في حالة هستيرية خوفا من إصابة ابنتها بحادثة سير دون أن تصدق أن حنان الخجولة في حالة «تبويقة » متقدمة.

تكشفت حقيقة التلميذات اللائي تعرضن لغواية تذوق «المعجون» بعد تمحيص العائلات لظروف سقوط بناتهن في «شوهة » شارع القوات المساعدة، فقد استدرجن لعالم «المعجون»  عبر طقوس متقطعة، بدأت بالضحك ومرت عبر تذويب «المعجون» في المشروب الغازي ، وانتهت بمباغتتهن بجرعات «معجون » ممزوج  بمادة «الهالدوغ المخدرة» حيث يفقد التلميذ كل تحكم في تصرفاته ليبدأ مسلسل الضياع.

من المسؤول؟ هو الاستفهام النمطي الذي يتكرر في كل قافلة تستهدف التحسيس، ويتكرر على لسان الأهالي الذي يفاجؤون بدخول أبنائهم سكة الإدمان، والجواب يظل معلقا بين آباء يتهمون الفوضى التي يعرفها محيط المؤسسات التعليمية، ومسؤولون تربويون ينفون تارة ويعبرون عن عجزهم لمتابعة ما يجري خارج المؤسسات تارة أخرى، وبينهما تظل مجهودات السلطات الأمنية محدودة.

قصة التلميذات الخمس، ونموذج معرفة التلميذ خالد بما يجري بمحيط المؤسسات التعليمية، يؤكدان أن الوضع مقلق، القافلة تؤكد أن هناك نماذج متعددة لما حصل للتلميذات بعضها تجاوز مرحلة الإصلاح، والشوارع القريبة من المؤسسات تلوك قصصا مؤلمة لتلميذات وتلاميذ لا علم للأهالي بها، والمتآمرون على التلاميذ يعرفون أن حجم الدوريات الأمنية لن يهددهم، والأمنيون يعرفون أن الإمكانيات المتوفرة لن تحقق تجفيفا للخطر المحيط بالمؤسسات. والشعار الملائم لاحتجاج الجميع هو «الفضيحة هاهي والحلول فينا هي». من يتبنى الشعار ومن يتطوع للحل؟.

عبد الكبير اخشيشن



تحت تصنيف : التصنيف العام

التعليقات

إضافة تعليق